الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
76
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هنا نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ تمثيلا لتغيّر رأيهم عن الصواب كما قالوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ إلى معاودة الضلال بهيئة من تغيرت أحوالهم من الانتصاب على الأرجل إلى الانتصاب على الرؤوس منكوسين . فهو من تمثيل المعقول بالمحسوس والمقصود به التشنيع . وحرف ( على ) للاستعلاء أي علت أجسادهم فوق رؤوسهم بأن انكبوا انكبابا شديدا بحيث لا تبدو رؤوسهم . وتحتمل الآية وجوها أخرى أشار إليها في « الكشاف » . والمعنى : ثم تغيرت آراؤهم بعد أن كادوا يعترفون بحجة إبراهيم فرجعوا إلى المكابرة والانتصار للأصنام ، فقالوا : لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ، أي أنت تعلم أن هؤلاء الأصنام لا تنطق فما أردت بقولك فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ إلا التنصل من جريمتك . فجملة لَقَدْ عَلِمْتَ إلى آخرها مقول قول محذوف دل عليه فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ . وجملة ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ تفيد تقوي الاتصاف بانعدام النطق ، وذلك بسبب انعدام آلته وهي الألسن . وفعل عَلِمْتَ معلق عن العمل لوجود حرف النفي بعده ، فلما اعترفوا بأن الأصنام لا تستطيع النطق انتهز إبراهيم الفرصة لإرشادهم مفرعا على اعترافهم بأنها لا تنطق استفهاما إنكاريا على عبادتهم إياها وزائدا بأن تلك الأصنام لا تنفع ولا تضر . وجعل عدم استطاعتها النفع والضر ملزوما لعدم النطق لأن النطق هو واسطة الإفهام ، ومن لا يستطيع الإفهام تبين أنه معدوم العقل وتوابعه من العلم والإرادة والقدرة . و أُفٍّ اسم فعل دالّ على الضجر ، وهو منقول من صورة تنفس المتضجّر لضيق نفسه من الغضب . وتنوين أُفٍّ يسمى تنوين التنكير والمراد به التعظيم ، أي ضجرا قويا لكم . وتقدم في [ سورة الإسراء : 23 ] فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ . واللام في لَكُمْ لبيان المتأفّف بسببه ، أي أف لأجلكم وللأصنام التي تعبدونها من دون اللّه . وإظهار اسم الجلالة لزيادة البيان وتشنيع عبادة غيره . وفرّع على الإنكار والتضجر استفهاما إنكاريا عن عدم تدبرهم في الأدلة الواضحة من العقل والحس فقال : أَ فَلا تَعْقِلُونَ .